23 يناير 2026 - 14:29
تحذير الإمام علي (ع) من بذل الجاه أمام الآخرين

معادلة مُلهِمَة يقررها الإمام أمير المؤمنين (ع)، ومفادها، أن الذي يبذل جاهه بين يدي أحد يصير بمثابة عبدٍ له، وفيها رسالة لنا جميعًا تحذرنا من بذل جاهنا أمام أي شخص كان.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ بَذَلَ جاهَهُ اسْتُعْبِدَ".
 
معادلة مُلهِمَة يقررها الإمام أمير المؤمنين (ع)، ومفادها، أن الذي يبذل جاهه بين يدي أحد يصير بمثابة عبدٍ له، وفيها رسالة لنا جميعًا تحذرنا من بذل جاهنا أمام أي شخص كان، لا سيما بين يدي أولئك الذين لا يقدِّرون الجاه ولا يحفظون الكرامة، فإن الجاه من أعظم ما يملكه الإنسان، وهو من آثار المقام الذي رفعه الله إليه من بين مخلوقاته، حيث قال: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴿الإسراء: 70﴾.

إن كرامة الإنسان مقصد أساسي من مقاصد الدين، وهي تعتبر الأساس الذي تقوم عليه الشريعة الإلهية للإنسان، ومن يراجع أحكامها، يجدها شديدة الحساسية تجاه كرامة الإنسان، من هنا حرَّمت عليه جميع ما يُسيء إليها من قول، أو فعل، أو حال، وحتى تحريم ما يُعرَف في الفقه (لباس الشُّهرة) يأتي في هذا السياق، كما حرَّمت عليه أن يتقبَّل أي إهانة من أي كان من الناس، ودعته إلى جَبه كل من يحاول أن يُهين كرامته، وينال من عزته، بل أعلن أئمة الدين (ع) ولا سيما الإمام الحسين (ع) أن المؤمن إذا ما خُيِّر بين القتل أو الهوان، فإنه يختار القتل، لأن الله تعالى وأشراف خلقه، والنفس الأبية تأبى القبول بذلك. 
 
بعد هذه المقدمة أرجع إلى قول الإمام (ع): "مَنْ بَذَلَ جاهَهُ اسْتُعْبِدَ" فالجاه هو المنزلة، والقَدْرُ، والمكانة المرموقة في قلوب الناس، أو السلطان، كما جاء في معاجم اللغة العربية، وهو "الوجاهة" التي تجعل لصاحبها كلمة مسموعة وتأثيراً في محيطه. 
 
وأعظم الجاه وأعلاه وأسماه أن يكون للشخص جاه عند أولياء الله ورُسُلِه، والأعظم منه أن يكون له جاه عند الله تعالى، وتلك درجة لا يبلغها العبد إلا بالتقوى والعبودية الصادقة لله تعالى، وكلما تذلل لله تعالى وخضع له وافتقر إليه كلما ازدادت كرامته ووجاهته وعِزَّته، وزاد نور وجهه، وصفاء نفسه، واستقامة طريقه.
 
أما الجاه بين يدي الناس فقد يكون ناتجًا عن علم، أو تقوى، أو نَسَب، وهذا الجاه عظيم بشرط أن تنسجم سلوكيات الإنسان مع علمه ونسبه، وأن تبقى التقوى صفته التي تتقدم على كل صفة، وقد يكون ناتجًا عن ثراء، أو منصب، وهذه الوجاهة تذهب بذهاب المال، وزوال المرء عن منصبه. 
 
والجاه كما سبق وذكرت، هو رأس مال معنوي عظيم، بل هو رأس مال المرء الأهم، وعليه أن يستخدمه لخدمة الناس، والحق، وفَضِّ النزاعات، ومساعدة الفقراء والمساكين والضُّعفاء.
 
أما بذل الجاه فمعناه أن يتوسَط الإنسان لكل من هبّ ودبّ، وفي كل شاردة وواردة، أو أن يطلب من أصحاب القرار أو الثراء حاجات كثيرة، سواء لنفسه أو لغيره، أو أن يضع جاهه في مواضع لا تستحق كأن يتوسَّط للِصٍّ أو خائن، أو يطلب من لِئام الناس، مما يُذهب هيبته ويقلِّل من شأنه.
 
ومما لا شك فيه أن الذي يبذل جاهه في غير موضعه، أو عند من لا يحفظ الجاه والكرامة، يُستَعبَد لأنه يصبح مَدينًا لمن بذل جاهه بين يديه، وقد جاء عن الإمام أمير المؤمنين (ع) في توصيف دقيق لهذه الحالة قوله: "مَنْ احْتَجْتَ إِلَيْهِ هِنْتَ عَلَيْهِ" وقوله: "احْتَجْ إِلى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيْرَهُ". 
 
إن الذي يحتاج إليه سيكون مضطراً أن يستجيب له إذا طلب منه أمراً إما حياءً منه أو وفاءً له، وفي كليهما يكون فاقداً لحريته في الرفض وعدم القبول، وسيصبح مجبرًا على مداراته، والوقوف على خاطره، ومجاملته، وقد يجامله في الباطل والحرام، وهذه أسوأ العواقب.
 
فاحرص على ماء وجهك وجاهك، صُنْه ما قدرتَ، ولا تبذله إلا لأمر خطير، ولشخص يستحق، وعند من يحفظ كرامتك، واحرص أن تقضي حوائجك بنفسك، ولا تلجأ لجاهك إلا عندما تنفد وسائلك، وتذكَّر دائمًا ما قاله الإمام أمير المؤمنين (ع): "وَجْهُكَ ماءٌ جَامِدٌ يُقَطِّرُهُ السُّؤَالُ". 

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
........
انتهى/ 278

تعليقك

You are replying to: .
captcha